الشيخ محمد الصادقي الطهراني

62

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

يعلمها إلّا من علمه اللَّه ، و « إن هذا لهو الفضل المبين » حيث يبين اختصاص الفضل على سائر العالمين ، إذ لا يناله أحد إلّا بما يؤتيه اللَّه لا سواه . إلّا أن هنا فرقاً بين « علمنا منطق الطير » و « أوتينا من كل شيءٍ » حيث الأول تلمح انه علِّم منطق الطير ككل ، والثانية لمكان « مِن » التبعيض تختص علمه وقدرته بالبعض ، فقد علِّم - إذاً - بعض المنطق من سائر الحيوان وسواها ، كما أوتي البعض غير العلم كما العلم ، وليس منطق الطير كلَّ ما يُسمع منها ، فقد يكون صوتاً دون معنى كما قد يكون منا ، وقد لا يكون صوتاً نسمعه كما في النمل واضرابها ، فما يناله الإنسان من الصوت انما هو عدد محدود من إلإرتعاش الصوتي وهو كما يقال ما بين ستة عشر ألفاً إلى اثنين وثلاثين ألفاً في الثانية ، والخارج منها في الجانبين خارج عن حدود سمعه ، وقد تنطق الطير أو سائر الحيوان دون صوت ، وإنما بإشارات تلغرافية أو الرادار كما نراها من النمل وسائر الحيوان ، فلا يختص المنطق بما له صوت ، بل يعمه مسموعاً لنا وسواه ، أم رمزاً لا يُسمع ، والنطق هو إبراز ما في الباطن بآلة ظاهرة لساناً وسواه ، أم رمزاً لا يُسمع ، والنطق هو إبراز ما في الباطن بآلة ظاهرة لساناً وسوا ، و « علمنا منطق الطير » تعم مثلث النطق . اجل وللطير منطق كما لكل حيوان حيث الكل أمم كما نحن : « وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلّا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون » . « 1 » ذلك ! لضرروة التفاهم بينها لإدارة الشؤون الحيوية لها ، وليس للإنسان التعرُّف إلى منطقها مهما حاول وزاول ، لأنه من الأسرار الربانية يعلِّمها من يشاء ! . وحين يعلَّم سليمان منطق الطير ويوتى من كل شيء فباحرى الرسول صلى الله عليه وآله والأئمة من آله الطاهرين عليهم السلام أجمعين ، أحرى بهم ان يعلّموا منطق الطير ويؤتَوا من كل شيء « 2 »

--> ( 1 ) . 6 : 38 ( 2 ) . نور الثقلين 4 : 77 في الخرائج والجرائح قال بدر مولى الرضا عليه السلام ان إسحاق بن عمار دخل‌على موسى عليه السلام فجلس عنده واستأذن عليه رجل من خراسان فكلمه بكلام لم اسمع بمثله كأنه كلام الطير ، قال اسحق : فأجابه موسى عليه السلام بمثله ولغته إلى أن قضى وطره من مسائله فخرج من عنده فقلت : ما سمعت بمثل هذا الكلام ! فقال عليه السلام : هذا كلام قوم من أهل الصين وليس كل كلام أهل الصين مثله ثم قال : أتعجب من كلامي بلغته ؟ فقلت : هو موضع العجب ! قال عليه السلام : أخبرك بما هو أعجب منه ان الامام يعلم منطق الطير ونطق كل ذي روح خلقها اللَّه تعالى وما يخفى على الإمام شيء . أقول « لا يخفى على الامام شيء » قد يعني لغة كل شيء لا كل شيء من كل شيء فإنه خاص باللَّه الذي لا يعزب عن علمه شيء . وفيه عن المناقب لابن شهرآشوب محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال سمعته يقول : « علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء » أقول : وهذا يؤيد تبعيض العلم وكل شيء من كل شيء . وفيه عن بصائر الدرجات بسند عن الثمالي قال كنت مع علي بن الحسين عليهما السلام فانتشرت العصافير وصوتت فقال : يا أبا حمزة أتدري ما تقول ؟ قلت : لا قال : تقدس ربها وتسأله قوت يومها ثم قال : يا با حمزة « علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء » . وعنه عن زرارة عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال قال أمير المؤمنين عليه السلام لابن عباس : إن اللَّه علمنا منطق الطير كما علم سليمان بن داود ، ومنطق كل دابة في بر وبحر . وفي تفسير البرهان 3 : 201 محمد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات بسند متصل عن بن جعفر عن أبيه قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : استوصوا بالصنانيات خيراً يعني الخطاف فإنه آنس طير الناس بالناس ثم قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : أتدرون ما تقول الصنانية إذ هي ترنمت تقول بسم اللَّه الرحمن الرحيم الحمد للَّه‌رب العالمين حتى تقرء أم الكتاب فإذا كان في آخر ترنمها قالت ولا الضالين . أقول : والروايات في أنهم علموا منطق الطير وأوتوا من كل شيء علّها متواترة . وقد يعني ان علمهم عليهم السلام أوسمع من علمه كما عن نفس المصدر عن الفيض بن المختار قال سمعت ابا عبداللَّه عليه السلام ان سليمان بن داود قال : « علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء » وقد واللَّه علمنا منطق الطير وعلم كل شيء أقول : ولكن الكل نسبي لا يعني ككل ما يعلمه اللَّه ، وانما البعض الأكثر شمولًا مما علم وأوتى سليمان